الانشغال بالعنوان عن المضمون
الأحد، 22 فبراير 2026 01:29 م
حمدي عبد الرحيم يكتب
أم المشاكل تسكن في عقليتنا نحن فالذين سمعوا بكتاب "نصر الله – أسطورة لم تمت" تركوا كل ما فيه وراحوا يتناقشون حول خرافة
انطلقت طائرات كيان الاحتلال مساء الجمعة السابع والعشرين من سبتمبر من العام 2024 حاملة ثلاثة وثمانين طنًا من المتفجرات لتلقيها على مربع سكني لبناني، كان معدًا ليكون مقر اجتماعات أمين عام حزب الله الأسبق السيد حسن نصر الله مع أكابر قيادات حزبه.
بعد مجادلات وأقوال متناقضة وجمل مبتورة، أعلن الحزب عن استشهاد الأمين العام ومعه كبار القادة.
كان على العقلية العربية واللبنانية خاصة أن تضع نقطة في نهاية السطر ثم تبدأ في إنشاء جملة جديدة، لمراجعة ما حدث وكيف حدث وكيف سيكون سلوك الحزب ومقاومته بعد تلك الضربة القاسية.
ولكن ما شاهدناه بعد تلك الضربة يؤكد مجددًا أن هناك من لا يريد لنا أن نستفيق، بل هناك من يرسم لنا خارطة طريق لمشاعرنا ولتعاملنا مع أمورنا الخاصة جدًا بل الغارقة في الخصوصية.
هناك على مرمى حجر منا يقف كيان الاحتلال لينتهز أدني الفرص التي تتيح له الوجود في حياتنا بأي طريقة كانت وعلى أي شكل كان ذلك الوجود.
هم يعرفون حق المعرفة دور الأمين العام في مجريات الصراع منذ ظهوره على قمة الأحداث قبل ثلاثين سنة، وهم يعرفون تعلق جماهير عريضة به وبخطاباته وبمواقفه، ولذا سمحوا لضابط من ضباطهم السريين بأن يكتب وينشر مؤلفًا ضخمًا عن شخص الأمين العام!
قالت وسائل إعلامهم: "كشف دورن كدوش، مراسل إذاعة الجيش الإسرائيلي عن قصة بطلها ضابط رفيع في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، وهو قائد وحدة 9900، قام بتأليف كتاب حول شخصية الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصر الله، وموضوع اغتياله. الضابط، المعروف باسم "العميد ش"، يتولى منذ عامين قيادة وحدة الاستخبارات البصرية (الوحدة 9900)، وقد كتب الكتاب الذي يتألف من 500 صفحة جزئيًا خلال إجازة دراسية حصل عليها قبل اندلاع الحرب، ثم استكمل تأليفه خلال الأشهر الأخيرة بعد تنفيذ عملية اغتيال نصر الله، بينما لا يزال يشغل منصبه الحالي في شعبة الاستخبارات.
ويحمل الكتاب عنوان: "نصر الله – أسطورة لم تمت".
اللافت في الأمر أن هذا يُعدّ سابقة في إسرائيل، إذ يقوم ضابط يشغل موقعًا حساسًا في المؤسسة الأمنية بتأليف ونشر كتاب في خضم الحرب. وقد أثار ذلك تساؤلات حول دوافع النشر في هذا التوقيت، خاصة أن الحرب لا تزال مستمرة، ويُنظر إلى الكتاب كحدث غير معتاد في ظل الظروف الأمنية الراهنة.
يصف الكتاب نصر الله بأنه بارع في التسويق الذاتي والخطابة، حاد كالسيف وناعم كالحرير وقادر على أسر القلوب".
هل في السطور السابقة مشكلة؟
بل مشاكل.
نحن أمام تجربة غير مسبوقة يقدمها كيان الاحتلال، لقد سمح لضابط رفيع المستوى بتأليف ونشر كتاب ضخم والكيان كله تحت النار، وهذا ما لم يفعله من قبل، فلماذا هذا التوقيت تحديدًا؟
ثم ما هي نسب مصداقية الضابط الذي يعمل في مكان له حساسية خاصة، ستفرض عليه تلك الحساسية طريقة معينة في تناول الأمور.
أما أم المشاكل فهى تسكن في عقليتنا نحن، فالذين سمعوا بالكتاب فتركوا كل ما فيه وما جاء به وراحوا يتناقشون بل يتصارعون حول خرافة، ألا وهي نجاة الأمين العام!
كيف نجا الرجل وأهله الذين هم أهله قالوا أمام كاميرات الفضائيات أنهم شاهدوا جثمانه وأنهم شاركوا في دفنه؟
لقد رأيت رجلًا يبدو عاقلًا يحكي وهو يبكي بدموع غزيرة أنه قد شاهد السيد يطوف على الناس ويقدم لهم الماء في مسجد من مساجد النجف!
ما هذا الخبل، إنه الذهول عندما تنشغل بأمسك عن يومك وتنشغل بمستقبلك عن واقعك، فتخرج من يومك صفر اليدين، لا تحقق إنجازًا أي إنجاز ولا تفعل شيئًا سوى الاستغراق في غيوبة الأمنيات.
لقد نجح الكتاب نجاحًا ساحقًا عندما جعل بعضنا ينشغل بعنوانه عن مضمونه، العنوان "أسطورة لم تمت"، هو عنوان مجازي لا يؤخذ منه بأي وجه من الوجوه أن المقصود هو بقاء الأمين العام على قيد الحياة، ولكنها عقلية المذهول الذي يعزي نفسه بأن صاحبه على قيد الحياة رغم آلاف الكيلو جرامات من المتفجرات التي نسفت مربعًا سكنينًا كاملًا.